صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
عرض النتائج 1 إلى 10 من 20

الموضوع: مذكرات حامل الدعوة

  1. #1
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    مذكرات حامل الدعوة

    مذكرات حامل الدعوة

    مذكرات الأستاذ يوسف السباتين رحمه الله الذي حمل الدعوة الاسلامية منذ الخمسينات من القرن الماضي وتحمل الاذى والاضطهاد في سبيل ذلك وعاش حتى آخر حياته وهو حامل للدعوة

    المقدمة
    ما كان الانسان ليدري ما خطت له يد القدر ولم يكن ليعرف كيف سيمضي فترة العمر، وما سيلاقيه من الشدائد والمحن، أو ما يحظى به من الهناء والرخاء، فقد قدر الله لكل انسان ما يجري له في حياته، وجعل ذلك مستورا عنه، اذ لو علم به لعاش اما يائسا حزينا أو متفائلا مسرورا، ولكن حكمة الله اقتضت عدم معرفة الانسان ما سيحصله ليعمل ويجد ويسعى لتحقيق ما يصبو اليه وكأنه يعيش ابدا، ونهاه عن الاستماع لأقوال العرافين والمنجمين ليظل على فطرته، فقد تسير به الحياة على خلاف ما يحب ويرضى، وقد يحقق بعض أمانيه أو كلها وقد لا يحظى الا بالقليل منها وقد يصبو الى امور ثم لا يلبث ان يقلع عنها ، وقد يوافيه حظ خير مما كان يأمل. وقد لا يناله من مسعاه للخير الا الشر، ولقد أحسن الشاعر القائل:


    وما ادري اذا يممت أمرا أريد الخير أيهما يليني
    ءألخير أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبغيني


    لم يخطر ببالي في يوم من الايام أن أكتب لنفسي مذكرات تنبئ بما لاقيته في حياتي . غير أني لما كنت اقص بعض الحوادث التي جرت معي لأصحابي لأقوي عندهم العقيدة، أو لأقنعهم ان الرزق بيد الله ( ان الله يبسط الرزق "أي يكثره" لمن يشاء، ويقدر" أي يقلل" فليس هو بكثرة الجهد ولا بكثرة العلم). أو أن انتهاء الاجل هو سبب الموت ( فاذا جاء اجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون) أو أن ما كتب للانسان لا بد لاقيه. للحديث الذي رواه ابو هريرة ( من لم يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه دخل النار) ألحوا علي أن اكتب بعض ما لاقيته في حياتي من عناء ورخاء.
    أملين ان يستفيدوا من تجاربي لعل ما لاقيته من أحداث يكون فيها عبر لهم او لغيرهم. باعتباري الشخصي من جهة وباعتباري حامل دعوة ، فحياتي التي عشتها قسمان: قسم أمضيته خلال ست وعشرين سنة، رجل عادي لا يعرف احد عن حيلتي الا بعض اهلي ومن كنت اخالطهم من اقراني.
    وقسم كنت احمل فيه الدعوة الاسلامية لاستئناف الحياة الاسلامية ، بعودة دولة الخلافة وتطبيق الاسلام في حياة الافراد والمجتمع والدولة، ونظرا لما مر علي من ظروف قاسية وحوادث مؤلمة فيها الكثير من العبر والعظات التي تقوي العقيدة لدى الانسان ، وتحضه على الصبر فتجعله يرضى بقدر الله ويطمئن أن ما أصابه لم يك ليخطئه وما اخطأه لم يكن ليصيبه ، وودت ان اكتب بشيء من الاختصار عن القسم الاول من حياتي ثم بعد ذلك اكتب تجربتي في القسم الثاني راجيا من الله تعالى ان يثيبني على جهدي، وان لا يؤاخذني أو يحبط عملي لذكري بعض الاعمال او الاقوال التي قد يمدحني من يقرأ مذكراتي على تلك الاعمال او الاقوال. اللهم اني لا اذكرها لأفتخر بها او لامدح عليها فيحبط ثوابي عليها ان كنت قد اثبتني عليها. فلا الفخرو لا المدح يفيدني وانما ثوابك هو المرغوب والمطلوب ولو قست اعمالي وقارنتها باعمال غيري من حملة الدعوة لاحتقرتها ووجدت نفسي مقصرا، فاللهم اغفر زلاتي وتقصيري في أداء واجبي انك غفور رحيم. وليعلم من يقرأ مذكراتي هذه لو يطلع على أعمال الالآف من حملة الدعوة لوجدوني في مؤخرة الركب، وأقول هذا وأنا على قناعة مما أقول.
    هناك بعض الاعمال قمت بها في الفصل الأول واخرى قمت بها في الفصل الثاني سوف لن اذكرها حسنة كانت او سيئة لعدم الاستفادة من قرائتها.
    يوسف السباتين


    http://najah7.maktoobblog.com



    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  2. #2
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    مذكرات يوسف السباتين ..القسم الاول

    القسم الأول
    منذ وعيت على ما يجري في طفولتي وأنا اميل ببرائتي الى اللعب فكنت مليئا بالنشاط ولا يكد يباريني من اترابي احد، وكانوا يسودونني في أكثر الامور المشتركة بيننا.اذ كنت أميل الى عمل الخير واكره الظلم. وكنت صاحب صاحبي. غير ان حياتي منذ سن الخامسة من العمر وبعد أول حادثة بدت لي تنذر بالشر وتوحي بمستقبل مليء بالمآسي والأحداث، وبرغم كثرة الاحداث الا انني كنت مغتبطا في حياتي اتمتع بالشعور بالسعادة. وأرغب في طلب العلم، ولكي لا اسهب في وصف هذا القسم اقتصر على ذكر الحوادث ذات الشأن.

    اولا :
    كسر يدي اليسرى ثم سقوطي عليها على فترتين متباعدتين.


    ذهبت ذات يوم مع اختي الى الحقل حيث كانت تنقل تراب احدى المزابل على حمارة لنا لنلقيها في ارض الحقل بمثابة سماد للارض وعند عودتها من الحقل اركبتني الحمارة، وعند وصولي البيت نزلت عن الحمارة فسقطت على يدي اليسرى فكسرت من الذراع.وتولى علاجها مجبر( طبيب عظام) أمي، فأساء العلاج فتورمت وتساقط لحمها وبلي قسم من عظمها وتيبست اصابعها ولم اعد استطيع تحريك اصابعي , فأخذني ابي الى مجبر مشهور في مدينة غزة والى آخر في قرية المسمية والى ثالث في يافا والى رابع في القدس ولم يستطع احد ان يفيدها بعلاج اذ لم يكن الطب يومئذ متقدما.
    أدخلني ابي مدرسة اهلية ( الكتاتيب) تدرس القرآن ومبادئ الحساب فقط. ولم ادري كم المدة التي قضيتها في تلك المدرسة الا انني اذكر اني تدرجت في قراءة المصحف من سورة الناس الى سورة التوبة.
    كان والدي فرحا نشيطا وكنت اكبر اولاده الذكور فأخذني من المدرسة لأساعده في رعاية البقرالتي كان يحرث الارض بواسطتها، وبقيت على هذه الحال مدة طويلة حتى نسيت كل ما تعلمته في المدرسة. وفي هذه الفترة من العمر كنت مغتبطا سعيدا ارعى البقر والعب مع الرعاة، وذهبت ذات يوم أتسابق مع اقراني على ظهور الحمير فسقطت مرة اخرى على يدي اليسرى ففك مرفقها وعالجناه ولكنه لم يرجع كما كان ، وكان عمري يومذاك عشر سنين، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية كانت الطائرات تلقي اوراقا على المواطنين فذهبت يوما اركض لاحصل على ورقة مما تلقيه الطائرات فسقطت على يدي فتهشم مرفقها مرة اخرى ولم نعالجه.

    ثانيا:
    كسر يدي اليمنى


    كنا ذات يوم نلعب تحت شجرة خروب عظيمة فسقطت على يدي اليمنى فآلمتني كثيرا واسرعت الى البيت لاخبر ابي فأخذني الى صاحب غنم خبير في تجبير العظام فعالجها بالماء والساخن وبالسمن البلدي(سمن الغنم)

    ثالثا:
    سقوطي عن ظهر جمل في طريق شديدة الإنحدار كثيرة الحجارة .


    كان الفصل فصل شتاء , وكان البرد شديدا , وتواصل نزول المطر مدة ثلاثة أيام والجمل محبوس في البيت , وفي اليوم الرابع صفا الجو فأخرجت الجمل وقصدت به المرعى بعد أن امتطيت ظهره . ولما وصل بداية الطريق المنحدر , أخذ يركض ويرفع يديه ورجليه ويمد عنقه وأخذه الطرب. ونسمي هذا النوع من السلوك (برطعة) فقول برطع الجمل. فألقاني من على ظهره فوق كومة من الحجارة في وسط الطريق فكاد ان ينقطع نفسي لكني نهضت مسرعا اريد اللحاق به، فتسلق صخرة ملساء فزلقت قوائمه الاربعة فسقط على جنبه الايمن فضحكت لسقوطه الشبيه بسقوطي فأمسكت برسنه وشعرت بالم شديد فعدت الى البيت ونمت في الفراش الى ما بعد عصر ذلك اليوم حتى زال الالم وشعرت بالشفاء.

    رابعا الغرق في بئر ماء


    كانت السباحة في ذلك الحين مطلبا شعبيا فكنا نقوم بكثير من المحاولات لنتعلم السباحة. نزلت مرة في بئر واسع الباب ( بيارة أم عذقة) كما كنا نسميه وكان مليئا بالماء وربطت بيدي حبلا أمسك اصحابي بطرفه لينقذوني اذا تعرضت للخطر فجبت اطراف البئر سابحا بنجاح، فشعرت بانني قادر على السباحة بغير ربط حبل بيدي فالقيت الحبل جانيا ونزلت في البئر، وما ان وصلت الطرف البعيد وكررت راجعا حتى غرقت ثم تحركت فطفوت على وجه الماء ما ان تنفست حتى غرقت مرة اخرى وحاولت ان اطفو لأتمكن من التنفس الا اني زدت في الغرق فاخذ اصحابي يصرخون قائلين: اين السباحون ؟ وكان لي صديق سباح فاقبل مسرعا وفي لحظة وصوله لمس رجلي جدار البئر فركلته بقوة فطفوت واخذت اسبح فاذا بصاحبي يقفز ويمسكني من وسطي ويدفعني نحو جانب السلامة من البئر.

    خامسا:
    الغرق مرة اخرى في بئر واسع وعميق (قعير المصادي) كما كنا نسميه .


    ما كنا لنترك المحاولات لتعليم السباحة لما لها يومئذ من شأن ولم يكن يومئذ مسابح .
    نزلت ذات يوم في قعير( بئر) المصادي ( خربة اثرية) بعد ان ربطت حبلا بيدي
    فانطلقت اسبح متوجها الى طرف بعيد، وعند العودة غرقت فجرني اصحابي وأنا غريق فما اوصلوني عندهم الا وانا في حالة سيئة وقد اعتراني الخوف فمرضت على اثر ذلك الغرق.
    في هذه الفترة من العمر كنت اساعد والدي في عمل الزراعة والرعاية فكنت احرث وقت الحراثة وكنت وقت الحصاد انقل الزرع الى البيدر ( الجرن) كما كنا نسميه. وبعد انتهاء الحصاد كنت ادرس الزرع وانقل الحبوب والتبن الى المخزن في القرية، وبقية الايام نرعى ابقارنا وجمالنا وغيرها.

    سادسا:
    السقوط مرة اخرى عن ظهر الجمل


    كان الوقت وقت حصاد الزرع وكان الحقل بعيدا عشرة كيلو مترا ، ذهبت ووالدي ليلا لذلك الحقل فكان والدي يركب حمارا وانا اركب جملا، وكانت الطريق ضيقة عبر واد تغطي ارضه الحجارة الصغيرة غلبني النعاس واثناء السير جفل الجمل فسقطت فعلقت رجلي بشبكة مثبتة على ظهر الجمل ، فتدل رأسي حتى اخذ يلامس الارض المغطاة بالحجارة والجمل يركض بقوة ، فصار ابي في حيرة من امره ايركض خلف الجمل لينقذني واذا فعل ذلك سيزداد الجمل ركضا ام يمتنع واذا ترك الجمل يخشى ان تتقطع اوصالي ولكن لم يطل الوقت حتى خرجت رجلي من الشبكة فسقطت على الارض فنهضت سريعا وامسكت بمقود الجمل وتحسست رأسي فاذا هو سليم وجاء ابي فسألني فيما اذا كان شيء يؤلمني فطمأنته اني بخير ولا شيء يؤلمني.
    سابعا:
    ثعبان اسود (عربيد) يضرب علي قوسا وانا مجرد من الثياب


    نزلت وصديقان لي في بئر يقال له ( بيارة جنة) من اجل السباحة، نزعنا ثيابنا ونزلنا نسبح فغافلنا راعيان كبيران، واخذا ثيابنا واغلقا باب البئر بحجارة وتركانا: فلما انتهينا من السباحة واردنا ان نرتدي ثيابنا واذا بها قد سرقت فصعدنا الدرج نريد الخروج واذا البئر مسدودة بالحجارة فعالجنا الحجارة برفق حتى فتحنا باب البئر، فانطلقنا عرايا مكشوفي السوأتين اذا لم يكن لنا لباس داخلي، ولم نجرؤ ان نمشي في الطريق لوجود نساء في طريقنا فانطلقنا وسط زرع طويل خصب فيممت نحو شجرة اريد ان استظل بظلها – اذ كان البعوض يلسعنا وحر الشمس يصلي جلودنا واذا بثعبان اسود يتطوح في الهواء ويضرب علي قوسا ولا ادري رأسه من ذيله فكلاهما على الارض حتى لحق ذيله برأسه وهو متوجه نحو اليها.
    فتجنبت الشجرة ، ولحقت بصديقي، فسرنا جميعا الى المغارة التي فيها بقرنا وبقر الراعيين اللذين اخذا ثيابنا، فلما اقتربنا منها خرج علينا الراعيان الكبيران يحمل كلا منهما جزرة قريص(نبات شائك) يريدان ضربنا فهربنا، وروينا لهما عن بعد قصة الثعبان، فخافا ان يصيبنا أذى فيكونان مسؤولين عن ذلك فأعطيانا ثيابنا.

    ثامنا: هجوم الدبابير


    اصعب شيء في حياتي تعرضت فيه للموت وشفيت من اثره من غير علاج كنت ذات يوم نائما وقت الضحى في حكورة( مزرعة صغيرة حول البيت) لنا تحت شجرة زيتون وعلى بعد ثلاثة امتار من جدار حجري في بعض ثقوبه خلية للدبور فجاء اخي محمود وهو اصغر مني وادخل عصاه في الخلية وحركها وهرب، وخرجت الدبابير تطارد من اثارها فلم تجد غيري فهجمت علي وانا نائم، واخذت تلسعني بزبانيتها فصحوت من النوم مذعورا، واذا برأسي تكاد تكون مغطاة بالدبابير الاخذة بلسعي فهربت نحو البيت، ولكنها ظلت تلاحقني وتلدغني في رأسي ووجهي حتى دخلت البيت، وانا اصيح من حر سمومها واستغيث ولا مغيث ولم تستطع امي عمل شيء حيث لا يوجد آنذاك عيادة او طبيب ولا علاج، فصرت اركض داخل حوش البيت ذهابا وايابا من وقت الضحى حتى المساء فلم يقدم احد لي اي مساعدة، ولم انم تلك الليلة وتورمت رأسي ودفنت عيناي تحت الورم وصارت رأسي وكأنها دمل ملتهب، اذا لمسه احد اتخيل روحي خرجت من بين جنبي، وظل الالم متواصلا وقتا طويلا وبقي الورم مدة شهر كامل . ونتيجة لهذا الحدث صار لدي مناعة ضد السم فقد حدث اني كنت يوما العب مع اقراني تحت شجرة فاحسست بلدغة في صدري فوضعت يدي على صدري من فوق ثوبي واذا بدابة تسبح تحت ثوبي وتلدغني مرة اخرى فكمشتها من فوق الثياب فلدغتني مرة ثالثة فاخرجتها فاذا هي عقرب فقتلتها ولم أتألم وأقراني من حولي يتعجبون، وبعد هذا بما لا يقل عن عشر سنوات وكان ذلك عام 1949م كنت مسافرا من بلدة دورا الخليل الى عمان عرجت في طريقي الى مخيم عين السلطان في اريحا، ونزلت عند ابن عم لي وعندما قدم لي العشاء في خيمة صغيرة واذا بعقرب صفراء كبيرة الحجم تلدغني في ابهام رجلي اليمنى فقلت على الفور عقرب فالتفت ابن عمي فرأى العقرب فضربه وقتله وقال لي قم نصل الطبيب فقلت له لا بأس عليك دعنا نتناول عشاءنا، فقال قم هذا العقرب قاتل فابيت وواصلت تناول الطعام وهو ينظر الي في حالة من الاضطراب فأكملت عشائي دون ان اشعر بالم.
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  3. #3
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    تاسعا:
    السقوط عن الجمل مرة ثالثة


    كان لنا جمل حديث السن (قعود) يحب ملاعبة البقر فاذا رآها اندفع نحوها بسرعة يرفع يديه معا ويخبطها في الارض معا، فاذا رأته الحيوانات من بقر وغنم وحمير هربت وهو يلاحقها دون ان يؤذيها .
    وكان ذات يوم يرعى في ارض بطحاء قرقر، فذهبت لاحضره الى البيت وامسكته واردت ان اركبه فوضعت احدى رجلي على عنقه وامسكت سنامه بيدي محاولا الصعود الى ظهره فاندفع مسرعا نحو الحويانات الكثيرة التي كانت ترعى حوله، فقذفني بعيدا عنه حوالي مترين فارتطمت بالارض حتى عاد لي نفسي وسكن المي فقمت ولحقت به وامسكت برسنه (مقوده) وعدت به الى البيت

    العودة الى المدرسة


    كان لنا جار فتح في بستانه مدرسة (كتاتيب) يعلم فيها القرآن فدخلت الكتاتيب واستأنفت الدراسة مدة شهرين فتوفي المعلم فانتقلت الى مدرستين الاولى ( الكتاتيب) وداومت فيها مدة ثلاثة شهور فقال لي المعلم لقد عرفت كل ما عندي من العلم اذ تقرأ القرآن كما أقرأ وتحل المسائل الحساب مثلي. فانتقلت الى مدرسة المعارف (حكومية) ادخلوني الصف الثالث فداومت شهرا وغادرت المدرسة لأساعد والدي في اعمال الزراعة وعدت للمدرسة السنة التالية ودخلت الصف الرابع وداومت شهرين فقط ثم غادرت وبقيت مدة مع والدي، ثم جاء ابن جار لنا اسمه غازي سلمان هديب رحمه الله رحمة واسعة واخبرني ان المدرسة فتحت صفا خامسا ويتعلم الطلاب فيها اللغة الانجليزية فاستأذنت من والدي بالعودة الى المدرسة وداومت فيها الفصل الاول وعدت لمساعدة والدي . وعند بداية العام الدراسي الجديد 1945-1946 دخلت الصف السادس وداومت طوال السنة الدراسية عدا الشهر الاخير الا انني كنت احضر يوم الامتحان لاقدم الواجب ولم يكن في المدرسة الا الصف السادس .
    وفي العام 1946-1947 انتقلت الى مدرسة دورا الخليل وكان فيها قسم داخلي فدخلتها وصرت ابيت فيها وهي بعيدة عن قريتي الدوايمة حوالي 9 كم ولم اكن اغادر المدرسة الا عصر الخميس واعود عصر الجمعة او صباح السبت.

    عاشرا:
    السقوط في بئر


    كنت ذات ليلة اتجاذب الحديث مع اصحابي الرعاة فذكروا لي ان رفا من الحمام البري يبيت في بئر في خربة دهنة وهي خربة قديمة اثرية فتواعدنا ان نذهب الى البئر ليلة الجمعة القادمة اي عندما اعود من المدرسة الى القرية. فلما عدنا اخذنا معنا بطانيات وملاحف لنغطي باب البئر ثم تقدمتهم الى البئر ورسمت ابوابه على ورقة وعدت اليهم ليصنعوا الغطاء وفق الرسمات وبعيد العشاء تقدمنا الى البئر ونحن يومئذ ستة اشخاص وكل منا يمسك بطرف من الغطاء حتى وصلنا باب البئر والقينا عليه الغطاء ووضعنا على اطراف الغطاء حجارة كبيرة لا يقل وزن الحجر 15- 20 كغم وبقيت فوهة صغيرة اردت واحد الشباب ان نغطيها فدعست على الغطاء الكبير خطأ فهوى بي في البئر وسقطت خلفي الحجارة التي وضعناها على اطراف الغطاء وكان في قعر البئر حجران كبيران فارضت اليتي اليسرى بطرف احد الحجرين فانقشط جلدي وسقط احد الحجارة المنحدرة خلفي فارتض بالحجر الثاني وتكسر ولم يصبني ولو اصابني لفجغني، فنهضت واقفا ولم اشعر بعد بالالم واذا بابن عم لي يحمل سراجا وينزل مسرعا على درج البئر ليستطلع ما حدث لي فلما رآني واقفا ناداني فصدعت الدرج، وما كدت ان اصل باب البئر الا وقد توقف نفسي وكدت ان اغيب فارتميت على الارض وبقيت فترة صغيرة حتى عاد صوابي وطار الحمام من البئر لان الغطاء كان ساقطا فامسكنا حمامتين وكففنا راجعين ووصى بعضنا بعضا ان لا نخبر احدا بما جرى خوفا من اهلنا. وعدت في اليوم التالي للمدرسة وانا اجابر على نفسي واخفي ما اصابني حتى شفي جرحي من غير علاج.

    انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين


    في هذا العام بدأت المناوشات بين العرب واليهود وكان الاستاذ عثمان قطيط يشرف علينا ليلا في المدرسة وكان يحمل بندقية انجليزية ويدعونا احيانا لنسمع الاخبار حيث لا يوجد الا راديو واحد في غرفة الادارة وعند نهاية الفصل غادرت المدرسة وانتقلت الى مدرسة بيت جبرين لنفس الصف السابع فكنت اذهب مع ابناء صفي الذين كانوا معي في الصف السادس في العام المنصرم نغدو صباحا ونروح مساء كل يوم ثم اخذت الاحداث تزداد ضراوة فلم نكمل العام الدراسي

    التحاقي مع المجاهدين


    وصلت طلائع القوات المصرية والسودانية الى فلسطين وامتدت من حدود مصر الى بيت لحم المجاورة للقدس. وارسلت بعثات الى قرى فلسطين لتدريب المجاهدين على استعمال السلاح. وحضر الى قريتنا فريق منهم وتبادر الشباب حملة السلاح الى مدرسة القرية حيث مكان التدريب، ولكن المدربين منعوني من التدريب بسبب يدي اليسرى الا انني اصررت على الانخراط في الصف فسمحوا لي. ولكني لم اكتف بتدريبهم فكنت اهتم كثير باصابة الهدف حتى تحقق ذلك لي.
    في ذلك العام (عام 1948) خضت مع المجاهدين ثلاثة معارك احداها في خربة العجلين غربي قرية القبيبة حيث احترق لليهود عدد من السيارات المحملة امتعة تريد اجتياز خط الخليل بيت جبرين – الفالوجي الى منطقة النقب جنوب فلسطين وعند المساء داهمنا الاعداء باسلحة رشاشة لم تقو بنادقنا على مواجهتها وفهمت بعد سنين ان العدو الذي كان يواجهنا هم عرب.من اجل تثبيت اليهود، وثانيها في قرية المقحز غربي الدوايمة ب 12 كم اخرجنا اليهود منها وغنمنا ما بقي خلفهم من الامتعة والسلاح. وثالثها في قرية المقحز ايضا حيث حصل فيها قتل اكثر من الاولى واذكر انني قتلت يهوديا اقتناصا.

    احد عشر : نجاتي من القتل


    في المعركة الثانية من معارك المقحز تسللت ليلا واستطعت اقتناص واحد منهم ولما حاولت الانسحاب كشفني اليهود في منطقة مكشوفة فسلطوا علي رشاشاتهم فألقيت بنفسي على الارض واخذت اتدحرج والرصاص منه ما يقصر عني ومنه ما يتعداني وكانت المسافة لا تقل عن خمسين مترا، حتى اختفيت عنهم.
    وعندما هاجمناهم وقت العصر ودخلنا خنادقهم فروا هاربين وكان لهم خط دفاع مدفعي فاخذ هذا يمطرنا بقذائف الهاون والمورتر وعند سماعي بوحيح قذيفة القيت بنفسي على الارض فسقطت على بعد مترين مني ودملتني بغبارها ودخانها واصابتني شظية من شظاياها في عضد يدي اليسرى ولا زالت حتى كتابة هذه الحروف.


    يتبع عهد الشتات والفراق والشقاء
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  4. #4
    من هناك اتيت اليكم
    الحالة: من هناك غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 3
    تاريخ التسجيل: May 2002
    العمر:
    الاقامة: حيث تلتقي الأراض
    المشاركات: 24,133
    التقييم: 1943
    من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future من هناك has a brilliant future
    معدل تقييم المستوى
    2618

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    قصص قصيرة مؤثرة فعلاً رغم ان لا ترابط بينها. ظننت لوهلة انها كتابة رمزية ولكن لا يمكن الجزم بهذا

    هل لا زلت(َِ) على ثغرك (َِ)؟؟

    لا تنسونا من الدعاء في ظهر الغيب

  5. #5
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة bilal مشاهدة المشاركة
    قصص قصيرة مؤثرة فعلاً رغم ان لا ترابط بينها. ظننت لوهلة انها كتابة رمزية ولكن لا يمكن الجزم بهذا
    عندما كنت اتابع المذكرات على موقع الاخت نجاح السباتين "ابنة أبي العز يوسف السباتين رحمه الله " ظننتها كذلك حيث كانت المذكرات تنزل بشكل حلقات متسلسلة

    حتى قلت في نفسي ما علاقة حمل الدعوة بسقوط رجل عن جمل وكسر يده :)

    وعندما بدأ القسم الثاني من المذكرات بالنزول صرت اتابع بلوج الاخت نجاح كل يوم

    اعدك بقرائة مفيدة ورائعة

    تابعونا تجدوا ما يسركم :)

    ملاحظة : هناك بعض الاسماء والحوادث ساشير اليها بتعقيبي الخاص في الهامش
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  6. #6
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    عهد الشتات والفراق والشقاء

    بعد معارك قرية المقحز تقدم العدو من الشمال الى الجنوب من الرملة الى النعاني الى وادي الصرار الى قزازة الى مغلس الى عجور فالدير فرعنة فذكرين فبيب جبرين فالدوايمة .... والى بئر السبع فمن يصدق ان العدو هذا هو اليهود الذين لم يستطيعوا الثبات في المقحز.

    احس اهل الدوايمة بالخطر فبدأوا بنقل اوعيتهم ودوابهم الى القرى الصغيرة المجاورة فكنت انقل حبوبنا وعفش بيتنا الى قرية المورق، مكثت اسبوعا على هذا الحال وفي يوم الجمعة من الشهر العاشر لعام 1948 وبعد خروجنا من صلاة الجمعة دهم العدو القرية، وخرج اهل القرية بقضهم وقضيضهم كأنهم جراد منتشر، هذا يحمل اولاده وآخر يحمل على ظهره متاعه وغيره يتوكأ على عصاه وغيره يسوق دوابه وغيره يحمل طعامه على رأسه لم يمهله العدو حتى يأكله والرصاص يتناثر هنا وهناك والمجنزرات والاسكاوتات والملطخة بالطين لاخفاء اسم الدولة العربية المكتوب على جانبي حاملة الجنود تطلق رشاشاتها لقتل الناس( انظر كتاب حصاد) . وحصلت مذبحة كبيرة اكبر من مذبحة دير ياسين ولكنها اخفيت لئلا ينكشف فاعلها ففي (طور الزاغ) استشهد 27 انسانا بين ذكر وانثى وفي بئر جورة الصحرة القي 99 شخصا احياء واما من قتلوا في البيوت والطرقات فبلغوا المئات.

    خرجت ووالدي من البيت ومعنا امتعتنا ومعنا جملنا فلم نتمكن من تحميله وفي الطريق التقينا باخوتي يسوقون ابقارنا نحو البيت فاعطيناهم الجمل وسقت وابي البقر وهربنا بها ولم نكد نصل المورق ( القرية التي كنا ننقل اثاثنا اليها) واذا باهلها قد غادروها فامرني والدي بان ابدأ بنقل حبوبنا وامتعتنا من جديد الى قرية دورا عبر واد كثير الوعورة وذو عقبة كؤود فاخذت انقل ليل نهار لمدة سبعة ايام حتى حفيت قدماي ولم تذق عيناي طعم النوم الا ساعة وصول والدي فانام بقدر الوقت الذي يستغرقهم لتحميل الجمل ولم يحصل لي في حياتي اتعب من تلك الفترة فكنت امشي خلف الجمل وانا نائم وكنت ارى غيري يحمل امتعته على ظهره ويحمل اطفاله وقد اعياهم طول المسير ونهشهم الجوع وقتلهم الظمأ ولم يجدوا ملجأ يأوون اليه وبعضهم ينام في الطرقات ومنهم من لا فراش ولا غطاء ولا زاد ولا نقود يهيم على وجهه ومنهم من يبحث عن ولده او ابنته او زوجته ومنهم من فقد اباه. مناظر تدمي القلوب وتدمع العيون.

    وبعد ايام التقينا باخي الذي اخذ البقر ولم يدر اين يأوي ولا طعام ولا غطاء ولا ماء معه وسكنا ومعنا اربع اسر في غرفة واحدة فلم اطق العيش فصرت احمل سلاحي واتسلل الى العدو وكنت قد طلبت من ابي ان اغادر الى الاردن فكان يخوفني ويقول انهم يجربون بنادقهم في الشخص فلما رآني اتسلل الى العدو خاف علي فسمح لي بالذهاب الى الاردن.

    نزولي عند من كان يخوفني منهم

    حملت بعض كتب كنت قد احضرتها من الارض المحتلة اثناء تسللي اليها وحصلت على هوية شخصية وغادرت بلدة دورا متوجها الى شرق الاردن وصلت عمان بعد العصر ولم اكن اعرف شيئا في الاردن خرجت من عمان ومررت بخربة القويسمة ليس فيها الا بعض المغاور الاثرية يسكنها عبيد ثم جئت بلدة ابو علندة ولم اعرج عليها فجئت بلدة الرجيب وليس فيها الا بيت واحد يسكنها حراث فنمت ليلتي عنده وفي الصباح توجهت الى سحاب ولم اتوقف فيها بل توجهت الى الجنوب وعند الظهر جئت قرية سالم ولم ار بها الا بيتا محاطا بسور له بوابة واسعة فدخلت البيت بعد استئذان اهله واذ بالبيت رجل كبير السن وزوجته الكبيرة ايضا واسم الرجل امكازي الجريبيع وقدما لي الغداء ثم غادرت متوجها الى الجنوب وعند المساء وصلت قرية اللبن فاويت الى اسرة فقيرة تسكن مغارة فسالوني من اين وعم تبحث فلما اخبرتهم باني اريد ان افتح مدرسة اعلم فيها الاطفال الصغار فبعثوا بالخبر الى رجل وجيه في القرية اسمه متعب العفلش فاستدعاني في الصباح وطلب مني ان اعلم ولديه طايل ونايف ولا مانع ان اردت ان تعلم اولاد الفلاحين وبالفعل بدأت اعلم ولديه وحضر عدد من اولاد الفلاحين واتخذنا المغارة مدرسة للطلاب.

    كان طايل يعتدي على اولاد الفلاحين فزجرته فلم ينزجر فضربته فسحب خنجرا في سوطه وهددني به فطردته من المدرسة، فجاءت به امه وطلبت مني ان ابقيه حتى يأتي والده، وبعد انصراف الطلاب من المدرسة ذهب طايل الى الملعب ليلعب بالكرة، ولما جاء والده ولم يجدني في البيت سأل عني فاخبره رجل اخرس بان طايل هددني بالخنجر، فتناول بندقيته وذهب يبحث عن ولده فوجده يلعب في الملعب فاخذ الخنجر وحطمه بالحجارة فهرب طايل فاتبعه بطلقة اصابته فوق ركبته ولكنه كان يظن ان ولده مات، فغادر القرية ودخل على الملك عبد الله بن الحسين قائلا له احمني من حكومتك واخبره بما حصل. ونشر في الجريدة ان احد الفلسطينيين اللاجئين لجأ الينا وبدل ان نحترمه ونساعده * اراد ولدي ان يعتدي عليه فاطلقت عليه النار. وجاء احد التلاميذ واخبرني ان متعب العفاش قصم ولده. فبت تلك الليلة في بيت احد الفلاحين وفي الصباح ارتحلت الى قرية الرجم الشامي وجاء قائد البادية يبحث عني خشية ان يكون اهل الولد قتلوني او آذوني واخذني معه.

    واخبر الدولة بسلامتي ويبدو ان متعب العفاش هو الذي طلب من الدولة حمايتي، وبقيت مع صالح العقرباوي قائد البادية وطوال الليل، كانوا يبحثون عن متعب لانهم لا يعرفون اين ذهب . وفي الصباح توجهوا الى عمان فطلبت منهم ان ينزلوني في قرية القسطل. ولما سألت عن اهل القرية اخبروني انهم اخوال طايل فغادرت القرية واتجهت نحو قرية على مرأى العين، وكان الشتاء غزيرا والارض طينية ومحروثة وموحلة، واستمر المطر يهطل بغزارة ولم يتوقف، فابتلت ثيابي ووصل الماء جلدي، وما وصلت القرية الا وكأنني مغموس في بركة ماء، وعرفت ان القرية هي ام العمد ولا اذكر من البيوت الا دار مثقال الفايز، وكان فيها غرفة منفصلة ومفتوحة ولا احد فيها فدخلتها، وليس فيها شيء، فعلقت فيها بعض ثيابي وحملت حجرا ثقيلا وصرت اركض على امل ان اقاوم البرد القارس فلم استفد الا توتر اعصابي وشعرت بالتعب والجوع، اذ لم اكن مفطرا في الصباح والوقت بين الظهر والعصر . فذهبت الى الدكان( البقالة) فسألت عن تمر فلم اجد ورأيت دخان نار يخرج من مغارة فعرفت ان فيها نارا ولكني خجلت ان ادخل اسأل عن طعام او ان استدفئ بنارهم فعدت مرة اخرى الى البقالة وسألت صاحبها عن حلاوة وطلبت منه ان يبيعني اوقية، فعرف اني جوعان، فباعني اوقية حلاوة واعطاني رغيف خبز، وانصرفت الى الغرفة واكلت الحلاوة والرغيف وكأني لم آكل شيئا، وعند المساء خرجت ابحث عن منام فالتقيت بشخص مثلي يبحث عن منام واعطاني بقية ما معه من التمر، وقال لي اتبعني فتبعته الى دار مثقال الفايز فدخلناها وكانت مليئة بالبقر والتبن، فصعدنا كومة التبن، وحفرنا حفرة عميقة، وتمددت فيها وطلبت من الشخص ان يهيل علي التبن حتى غمرني، فنمت ولم اصحو الا في الصباح، واذا بكل ثيابي قد جفت، وانا اشعر بالدفء وتوجهت الى عمان عبر طريق غير معبد مليئة بالجور المليئة بالماء، ووصلت الى عمان وبت في مسجد الحسين بغير غطاء فكدت ان اجمد من البرد، وفي الصباح اشتريت دفاترا واقلاما وعدت الى قرية رجم الشامي حيث بقيت شنطتي ومتاعي .

    افتتاح المدرسة


    هناك في رجم الشامي وعند عشيرة الجحاوشة وعشيرة خضير وكلاهما من بني صخر، افتتحت مدرسة لاولادهم، وتجمع لي 12 طالبا واخذت ادرسهم في جانب من جوانب بيت الشعر، على غرار ما كنت اتعلم عند الكتاتيب، مقتصرا على تعليم القرآن وعمليات الحساب الاربعة مع بعض الكسور، وكانت المدرسة ترتحل حيث يرتحل العرب، هذا وقد ارتحل العرب الى منطقة تسمى ذهيبة الغربية، وكان فيها بعض المغر (جمع مغارة) فتركنا بيت الشعر وصرنا ندرس في المغارة.

    انغلاق المغارة بالثلج


    كان الفصل شتاء وعند العصر بدأ الجو يكفهر ويزداد بردا وتغطت السماء بالغيوم ونزلت درجة الحرارة الى الصفر، وبدأ الثلج بالنزول كأنه حب الرز، وكان الهواء شرقيا وباب المغارة يفتح شرقا فصار الثلج قريبا من السقف، وامتلأ سردابها البالغ ستة امتار طولا، ومن الصفر الى ثلاثة امتار ارتفاعا، وعند الصباح لم يكن امامي الا ان اخوض في الثلج البالغ ارتفاعه عند فوهة المغارة ثلاثة امتار، وعند نهاية سردابها صفرا، كما يغوص السباح في الماء، ونظرت بعد خروجي الى بيوت الشعر المنتشرة، فلم ار منها شيئا حيث كان الثلج يعلوها. ذهبت الى جار لي يسكن في مغارة قريبة مني واذا به قد عبأ اكاسا بالتبن وبناها كما يبني الحائط ليمنع الثلج من الدخول حيث كان هو وجمله في المغارة، ولم اكد انحدر عنده الا وشخص يقال له حميد السحيم يطل علينا ويستنهضنا لنساعده في فتح مغراته التي اغلقت على من فيها، فذهبت معه فأعطاني طورية مثل التي معه، واخذنا نعمل على فتح باب المغارة – لا اعني بباب المغارة الشيء الذي يغلق بابها – وانما اعني ببابها الفتحة التي تفضي اليها فوقع حميد في سردابها فغرق في الثلج حتى عنقه فصرخ، فمددت اليه عصا الطورية فامسك بها فجررته حتى اخرجته من السرداب، واثناء البحث وجدنا سلما فعرضناه على سرداب المغارة قريبا من بابها، ووقفنا عليه واخذنا نحفر في الثلج، حتى فتحنا فوهة صغيرة، ونادينا اصحابها فرد علينا صاحبها، واذا هو في وضع بئيس قد اخرج ولدين له لينادوا من يعاونون اباهما على رفع الثلج فلم يرجعا اليه. ثم انطلقنا الى صديق لنا اسمه خلف الحمدان يسكن بيت شعر لننقذه وزوجة اخيه واولاده فالتقينا معهم وهم هاربون من البيت، يتوجهون الى مغارة واسعة فيها اقارب لهم فقدت ولدين له حتى ادخلتهما المغارة، وسقطت زوجته على الارض غير قادرة على المسير، لتجمد جسمها من البرد فامسكت باحدى يديها وامسك هو بالاخرى وجررناها حتى ادخلناها المغارة، ولما دخلت المغارة وجدت العجب فيها، فالغنم في جانب منها واهل المغارة ومن لجأ اليهم في جانب آخر، وهم يشعلون النار ودخانها الكثيف يحجب الرؤية ويسيل الدموع، وشاهدت احدى النساء تضع الثلج في لجن –وعاء تسقى فيه الغنم عادة- وتشعل تحته النار لتذيبه ماء، وامرأة ثانية تأخذ الماء وتعجن الطحين في وعاء آخ،ر وامرأة ثالثة تخبز العجين على صاج ليكون خبزا، ومضى النهار ولم ينل الشخص الواحد الا رغيفا واحدا لا يسمن ولا يغني من جوع، وعند المساء عدت الى مغارتي فلا حطب ولا نار وارض المغارة مغطى بالماء وفراشي مرفوع فوق حجارة مغطاة بالحطب، وهو مجرد لحاف وفرشة، فنمت تلك الليلة في المغارة التي تشبه الثلاجة الكبيرة، ولما اصبحت واذا الرياح تطير الثلج في الجو كانه عاصفة من الرمل، فعزمت على مغادرة المنطقة الى عمان واصرت احدى النساء ان تصحبني في طريقي الى اهلها في الرجم الشامي فسرنا حوالي اربعة كيلومترات وسط ثلج يبلغ ارتفاعه نصف متر، وعند وصولنا اهلها وجدنا عندهم الطعام الكافي فاكلنا ونمت عندهم، وفي الصباح توجت الى سحاب، التي تبعد حوالي خمس كيلومترات وسط ثلج اكبر من الثلج الذي مررت به بالامس، فجمد الجانب الايسر من وجهي حيث كان الهواء القارس غربيا ومن سحاب توجهت الى عمان عبر طريق مغطاة بالثلج، يبلغ ارتفاعه الى ستين سنتمترا، ولم ار احدا سائرا طوال الطريق البالغ طولها اثنتي عشر كيلو مترا لآوي الى بيت اخت لي تقيم هناك، وكان الثلج في الطريق يزيد ارتفاعه عما مررت من الثلوج عبر رحلة شاقة فبت عندها ليلة او ليلتين، وقد صحا الجو وبدت الشمس مشرقة واخذ الثلج في الذوبان فقررت العودة الى المدرسة بعد هذه الرحلة الشاقة المزعجة ولولا قوة دم الشباب لما استطعت ان امشي ثلاثة وثلاثين كيلومترا في وحل من الطين والثلج.

    * تعقيب ابو شجاع على : ونشر في الجريدة ان احد الفلسطينيين اللاجئين لجأ الينا وبدل ان نحترمه ونساعده اراد ولدي ان يعتدي عليه فاطلقت عليه النار.

    في تلك الأيام لم يكن هناك ولغاية احداث أيلول الأسود المؤامرة الدنيئة التي صنعها كل من الهالك الملك حسين والهالك عرفات لم يكن هناك ما يسمى بأردني وفلسطيني وكان الناس في شرق الاردن ينظرون الى اخوتهم من اهل فلسطين بأنهم مسلمون وعرب اصابهم ما اصابهم وقد دفع ابناء القرى والبادية في ما يسمى بشرق الأردن فلذات اكبادهم ليحاربوا اليهود في فلسطين ويقتلوا وليتهم علموا ان الحكومات التي دفعت هؤلاء للحرب هي ذاتها من سلم فلسيطن ليهود

    يتبع
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  7. #7
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    الزواج

    زارني والدي ذات يوم وذكر لي انه خطب لي ابنة عمي وحدد لي موعدا للزواج ذهبت في اليوم الموعود الى فلسطين ولم يكن لنا بيت مستقل نسكنه فتبرع جيراننا بغرفة صغيرة (تسمى سقيفة) لأسكنها انا وزوجتي مدة اسبوع فتم الزواج وبعد ذلك ارتحلت وزوجتي وامي الى مكان عملي في رجم الشامي وانتقل والدي وبقية اهلنا من قرية دورا الى مخيم عين السلطان حول مدينة اريحا وكان ذلك عام 1950 وبعد مضي اقل من عام، رحلت زوجتي وامي الى اريحا حيث يسكن والدي وزوجته واولاده وبدأت ابحث عن مكان افتح مدرسة غير التي كنت ادرس فيها.

    زيارة صديقي وابن خالتي


    كان ابن خالتي احمد محمد ابراهيم الحجر يدرس في كتاتيب قرية الموقر عند الخريشان وكانوا قد ارتحلوا الى مكان حول قصر الخزانة الاثري وهو معهم، فخرجت ليلا من رجم الشامي متوجها الى قصر الخزانة، وحملت معي بندقيتي، ووصلت الى الموقر، ولم يطلع الفجر الا ولاح لي ضوء في طريقي ثم اختفى فتوجست خوفا فوضعت طلقة على بيت النار وثبت السبخة برأس البندقية تحسبا من اي مفاجأة، ووصلت المكان الذي لاح لي الضوء فيه فلم اجد شيئا، وواصلت السير في جو هادئ ومظلم ولم اشعر الا ومجموعة من الكلاب تحيط بي وهي تنبح، وتحاول مهاجمتي فضايقتني حتى كدت ان اطلق عليها النار واذ براعي الكلاب ينهرها ويقترب مني فعرفني وسلم علي ودعاني الى بيته ( بيت عر) فاستجبت له وجلست عنده حتى لاح الفجر فتوضأت وصليت وواصلت السفر، وعند الظهيرة وصلت قصر الخزانة حيث يقيم الخرشان بمواشيهم فلم اجد صديقي هناك، واخبروني انه رحل الى مدينة اريحا. فكررت راجعا وقد اعياني المسير ولحقني الظمأ لان المسافة التي قطعتها كانت 40 كيلو مترا، مرت بي سيارة صغيرة فاشرت لها فلم تقف، وبعد فترة لحقتني سيارة مثلها فوقفت لها في منتصف الطريق وطلبت من صاحبها ان يحملني معه فابى، فهددته بان اذا لم يحملني معه لابيتن واياه في تلك الصحراء فحملني معه حتى قرية الموقر، فنزلت وسرت على الاقدام حتى وصلت الرجم الشامي وقت العشاء، وكانت رحلتي هذه بعد رحلة طويلة استغرقتني ستة ايام وكان صديقي آنذاك في الموقر.

    رحلتي الى الكرك


    بعدما تركت الرجم الشامي توجهت نحو الكرك لعلي اجد مكانا مناسبا افتح فيه مدرسة كتاتيب فبدأت رحلتي على الاقدام من مدينة مادبا ( يوم كانت مجرد قرية) وتوجهت نحو ذيبان ومن ذيبان اتجهت شرقا فجئت قرية لا اذكر فيها الا دارا واحدة يقال لها جميل فنمت فيها، وفي الصباح توجهت الى الجنوب نحو قرية تسمى عرار على حافة وادي الموجب الشمالية، ونزلت ضيفا في احد البيوت، وكان في البيت ثلاثة ضيوف معهم خيولهم وبعد تناولنا فطورنا خرجنا، فاما الخيالة فتوجهوا نحو ديبان، وانا توجهت نحو الموجب ونزلت مباشرة نحو قعر الوادي فاخذت في الانحدار رويدا رويدا لشدة وعورته، فواجهني طور لا يقل ارتفاعه عن ثلاثة امتار فتلمست مكانا قصير الارتفاع فلم اجد، فحاولت الرجوع ونظرت الى الاعلى فتراءى لي السطح الذي هبطته بعيدا. فقررت ان اقفز من على ظهر الطور الى اسفله ولكن الارض التي تحت الطور شديدة الانحدار فخشيت ان آخذ في التسارع فلا املك الوقوف فاهوي الى قاع الوادي فاهلك.

    قفزة تحتمل الهلاك


    كنت ارتدي ثوبا وقمبازا وكوفية وعقالا وعباءة وفي قدمي بسطارا فامسكت بطرف صخرة من الطور وقفزت محاولا ان يكون اول شيء يلامس الارض كعباي لعلي اتمكن من الوقوف لان الارض التي ساقفز عليها شديدة الانحدار فتوكلت على الله وقفزت فلم اتمكن من الوقوف فانحدرت مسرعا وحركت قدمي بسرعة تتناسب مع تسارع جسمي لئلا اسقط على وجهي فيتحطم جسمي واهوي الى قعر الوادي البعيد، وحاولت عبثا ان اتوقف ولاحظت ان امامي طورا اكثر ارتفاعا من الطور الذي قفزت منه فماذا اعمل؟ ولم يبق بيني وبين الطور الثاني الا عشرون مترا، وصلت مكانا غير منحدر والارض فيه مستوية فالقيت بنفسي على ظهري على سطح الارض، جلست قليلا ثم قمت فاقتربت من حافة الطور الثاني ونظرت فيه، فاذا ليس بينه وبين مجرى الماء ارض مستوية او منحدرة، بل هو آخر السفح الشمالي للوادي فاخذت اتحسس مسلكا انزل فيه الى قعر الوادي اذ لا سبيل الى القفز منه لعلوه فوجدت مكانا حفرته المياه النازلة من السفح فنزلت منه بصعوبة، ووصلت الماء وكنت ظمآنا فشربت حتى ارتويت، اجتزت الماء الوادي الى السفح الجنوبي منه، فلم يعترضني اثناء صعودي طيران (جمع طور) حتى وصلت قمة السفح واذا انا على مقربة من قرية شيحان، فمشيت في طريق ترابي عبر سهول الكرك، فوصلت قرية القصر قبيل مغيب الشمس، فنزلت عن اهل بيت شعر، واذا بالثلاثة خيالة الذين فارقتهم في قرية عراعر قد اقبلوا ونزلوا البيت الذي نزلت فيه. فسألوني اي سيارة جئت بها فقلت لهم على قدمي فلم يصدقوني الا بعد ما وصفت لهم طريقي التي سلكتها فقالوا لي اختصرت عشرين كيلو مترا . بت ليلتي وعند الصباح توجهت الى الكرك فسلكت طريقا وعرا ومختصرا ايضا ودخلت الكرك مع الضحى، فتجولت في شوارعها قليلا ثم خرجت منها متوجها الى الشرق وجئت قرية تسمى الثنية فصادفني شخص من اهلها فضيفني وغداني خرجت بعدها وتوجهت الى الشمال الشرقي

    وعند المساء جئت الى فريق من البدو لهم ديوان (بيت شعر) كبقية بيوتهم مخصص للضيوف. وجدت في الديوان رجلين غريبين مثلي ينتظران طعاما فلم يوافهما به احد وانتظرا وقت النوم من يأتيهم بفراش فلم يحضره احد فعمدا لكومة من الحطب واشعلا فيها النار من اجل الدفء وقبل ان يطلع النهار خرجت متوجها الى الشمال مغادرا قبيلة الطراونة؟

    اللقاء بفارس باشا المعايطة


    وصلت قرية (ادر) قبيل طلوع الشمس فسألت شخصا عن بيت كبير القرية فدلني عليه. واذا بيته مكون من عدة غرف تشكل في مجموعها حوشا وفي وسط الحوش بيت شعر ينام فيه رجل على مجموعة فرشات يبلغ سمكها المتر فلما صحا من النوم سلم علي وسألني من اين انت؟ فقلت من فلسطين فقال من اي منطقة قلت من منطقة الخليل قال من اي قرية قلت من قرية الدوايمة قال من اي نصف؟ قلت من اولاد اعمر قال من اي عشيرة؟ قلت من السباتين قال اتعرف الحاج علي ابو حسين قلت هو عمي قال من ابوك قلت ابي احمد محمود الحاج خليل قال والله السبع تنعام، فاستغربت ان الرجل يعرف قريتي وعشيرتي وعمي ووالدي . وجاءت زوجته وسألتني من اين الضيف؟ قلت من فلسطين قالت اراك تلبس لباس الشمال ( يعني بني صخر ومن حولهم) قلت سكنت عندهم ادرس اولادهم قال من اي عشيرة من بني صخر؟ قلت عند الجحاوشة قالت جميل وجمال ولدا سليمان الصهيبة عندك في المدرسة ؟ قلت نعم قالت سليمان اخي قلت والنعم، وقلت في نفسي عرفني الاثنان.

    حضر ثلاثة اشخاص وقدم المضيف الطعام وطلب من الثلاثة واحدا بعد الاخر ليشاركونا في الطعام فكان كل واحد يقول افطرت يا باشا، فعرفت ان الرجل له مكانته وسألني عم تبحث؟ قلت اريد ان افتح مدرسة قال عطلت الان المدارس وعند عودتها للدوام تعال وانا اعينك في مدرسة الحكومة في هذه القرية فشكرته على ذلك.

    خرجت من قرية ادر وتوجهت الى الشمال، وعند الظهيرة مررت ببيت شعر فضفت اهله وتغديت عندهم، ثم توجهت الى قرية السماكية ومنها توجهت الى الشرق ميمما قصور بشير الاثرية، وكانت طريقي طويلة وتقتضي مروري بوادي اللجون الذي هو فرع من وادي الموجب، واثناء مسيري التقيت باشخاص معهم حمير تحمل خشبا فسألوني الى اين تتوجه؟ قلت الى قصور بشير، قالوا امامك وادي اللجون وهو واد عميق وموحش وفيه حيوانات مفترسة، والوقت آخر النهار، ولا نرى معك سلاحا فارجع معنا ونم عندنا وغدا تذهب في وضح النهار، فابيت وواصلت السير، وكلما اقتربت من الوادي يكثر الشجر، واذا بطور اعلى من الطور الذي قفزت منه في وادي الموجب، فاخذت ابحث عن مسك انزل منه فلم اجده، ولعمق الوادي شعرت ان الوقت وقت المغرب، فقررت ان اقفز من على الطور الى قعر الوادي، ولكن الوادي يسيل على عرضه بالماء الذي يزيد ارتفاعه على خمسة عشر سنتمترا، فالقيت بحذائي وعباءتي في مكان في قعر الوادي خال من الماء ثم قفزت وسط الماء وتوضأت وتجازوت الى الجانب الاخر من النهر( الوادي) ولبست حذائي وعباءتي، وواجهني طور في الجانب الاخر وصرت ابحث عن مسلك للخروج من الوادي فسرت طويلا فلم اجد. فاحسست بالخطر اذا اظلم الجو فالتفت فاذا بمغارة وفي آخرها شيء شبيه بالضوء، فدخلتها فاذا في آخرها باب يفضي الى السطح فقصدته، واذا بها طريق تنزل منها الغنم لتشرب من النهر فاخذت في الصعود، ولما وصلت قمة السفح واذا بالشمس لم تغب بعد. فسرت حوالي كيلو متر واذا بفريق عرب من بني عطية، فعمدت الى بيت كبير ونزلت فيه واذا بصاحبة البيت تأتي بفراش وترحب بي كضيف فسألتها لمن البيت فقالت لسالم بن عطية شيخ بني عطية وقد ذهب الى مصر فبت ليلتي وفي الصباح مررت بقصور بشير وتجولت حولها وصعدت سطح احدها ثم واصلت مسيري ومررت من الفرع الثاني للموجب والمسمى ابو بطمة.

    واجهني في الطريق جماعة تركب ابلا وخيلا، ويسرعون في سيرهم للاشتراك في مشاجرة بين قبيلتين في خان الزبيب ( محطة قطار) فسألوني من اي قبيلة انت؟ فقلت لست منكم ولا منهم فخلوني ومشوا.

    ام الرصاص وآثارها.


    وصلت قرية ام الرصاص وقت الظهر وعرجت على آثارها، ورأيت صورا مربع الشكل داخله غرف صغيرة وكثيرة ما زالت سقوفها ثابتة، وبجانب الصور كنيس عندها حجر عال كأنه مئذنة، ولم ار الا بيت شعر فيه عجوز، فنزلت عندها ضيفا فتغديت وغادرتها متوجها الى الشمال.
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  8. #8
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد : مذكرات حامل الدعوة

    بقي جزء اخير من القسم الأول من المذكرات ، ثم ننتقل الى القسم الثاني الخاص بحمل الدعوة لاستئناف الحياة الاسلامية
    ينهض الإنسان بما عنده من فكر عنِ الحياة والكونِ والإنسان، وعن علاقَتها جميعها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها. فكان لا بد من تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد فكر آخر لَه حتى ينهض، لأَن الفكر هو الذي يوجد المفاهيم عنِ الأشياء، ويركز هذه المفاهيم والإنسان يكيِف سلوكه في الحياة بِحسب مفاهيمه عنها


    موقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان


    ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ

  9. #9
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد: مذكرات حامل الدعوة

    تكملة القسم الاول
    ليلة التمد ليلة عبوس


    لم اكن اعرف اسماء ما امر بها من البلاد الا بعد ان أسال من اصادف في طريقي، وصلت الى واد كثير الينابيع البسيطة، مليء بشجر الفلة، وذلك عند الماء، والوادي موحش مقفر تؤمه الوحوش المفترسة للشرب، وعرفت من وصفه انه وادي التمد الذي كان يصفه البعض بانه كثيرالضباع، فكنت اتوقع في كل لحظة ان يصادفني ضبع، وليس معي من السلاح الا الخنجر، فتوضأت من مياهه وصليت صلاة الخوف، وواصلت السير دون توقف، ولا ادري الى اين ترميني الطريق، وبعد ساعات في تلك الليلة المظلمة، وصلت فريق عرب من عرب بئر السبع اللاجئين فبت عندهم، وكانوا على مقربة من قرية الجيزة، وفي الصباح مررت بالجيزة، وفي طريقي عرجت على قصر المشتى ( منطقة مطار الملكة علياء) اليوم، ثم واصلت سيري، وعند الظهر وصلت قرية الموقر، ونزلت ضيفا عند ابن خالتي احمد محمد ابراهيم الحجر، وهناك رحب بي طلاب مدرسته، وعلى رأسهم جمال حديثة الخريشة وأخوه محجم وحاكم وغيرهم من الطلاب وكانوا يعرفونني من ترددي في الزيارة لمعلمهم وظلت الصداقة بيني وبينهم حتى كتابة هذه الحروف (55عاما)، اخبرني صديقي بأن الخريشان سيرتحلون الى منطقة قصر الخزانة، الذي سبق ان تحدثت عن زيارتي له هناك فلم اجده واخبرت انه ارتحل بأهله الى مدينة اريحا، فرجعت انا ايضا الى اريحا وكنا نسكن في مخيم عين السلطان وبقينا هناك بلا عمل وفكرنا ان نذهب الى السعودية عن طريق القريات لعلنا نجد عملا في تلك البلاد.

    رحلة العذاب الى السعودية


    بعد عودتي الى اريحا حيث لا عمل هناك. اتفقت مع قريبي احمد على السفر الى السعودية ليلحق هو بجماعته من عشيرة الخريشان الذين ارتحلوا بحلالهم الى هناك . جهزنا انفسنا بجوزات سفر لم نختمها من السفارة. وحملنا معنا بعض الكتب وانطلقنا من مدينة اريحا الى عمان فالى سحاب ومن سحاب مشينا الى رجم الشامي فنمنا عند اصحاب لنا، وفي الصباح الباكر اخذنا رطلا من الخبز وغالون ماء وانطلقنا على اقدامنا مشرقين الى الموقر فالى قصر الخزانة، وخلال هذه المسافة ونحن نسير على الاقدام في يوم حار والريح خماسينية (شرقية) شربنا مع معنا من الماء ونحن في اول الطريق، وكنا نتأمل ان نجد ماء في ثميلة (نزازة ماء) الخزانة، ولكن لحقنا الظمأ الشديد والتعب من طول المسير، وبدا السراب يلوح لنا وكأنه بركة ماء ، ونحن نغذ السير واذا بسيارة سياح قد اقبلت فاستبشرنا خيرا ورجونا ان يكون معهم ماء لعلمهم يسقوننا فأشرنا لهم فوقفوا، وطلبنا منهم ماء فلم يكن معهم فأعطونا حبتي برتقال وزجاجة كزوز صغيرة ، لم تخفف من عطشنا فواصلنا السير والعطش يشتد والحر يزداد والسراب يلوح حينا ويختفي حينا آخر . حتى وصلنا قصر الخرانة عند المساء فصعدنا الى ظهره ووضعنا اوعيتنا وانطلقنا مسرعين نحو ثميلة الماء فوجدناها جافة، فعدنا الى القصر نجرجر اذيال الخيبة.

    نمنا ليلتنا على ظهر القصر وراقبنا الطريق لعل سيارة تمر ولكن من غير جدوى ، لم نكن نعرف بعد القصر شيئا من البلاد، ولم تكن الطريق واضحة لأنها مغطاة بالحصباء السوداء التي تملأ السهول فلا نرى لها اثرا فهمنا على وجوهينا لا ندري الى اين نحن سائران ، وكنت اسبقه مسافة، ثم اجلس انتظره حتى يأتي، مشينا من الصباح حتى زوال الشمس( الظهر) لم ار حيوانا او دودة او ذبابة او عشبة حية على الارض. فالأرض مقفرة من كل شيء الا من السراب مع ان الوقت وقت ربيع، وهذا السبب الذي جعل بدو الاردن يرتحلون بحلالهم الى السعودية وكان ذلك عام 1951م عام ممحل لم يمطر الاردن. كنت اجول ببصري شرقا وغربا يمينا وشمالا لعلي ارى بشرا او حيوانا او ماء فلم ار شيئا. تلفت نحو صديقي فاذا هو متأخر عني فجلست القرفصاء اريد انتظاره، واذا بالهواء الملامس للارض المغطاة بالحصباء السوداء يلفح وجههي وكأني قد اقتربت من شعلة نار فنهضت واقفا ومشيت قليلا، فأشرفت على وادي واذا بقصر محاط بأشجار عظيمة فقلت لصاحبي أتدري؟ قال : ماذا؟ قلت هذا وادي البطم وهذا قصر عمره فنحن قريببون من واحة الازرق لأن وادي البطم تصب مياهه في الازرق حسب معرفتي من خارطة جغرافية الاردن. فعمدنا الى القصر فاذا هو قصر عمره وبجانبه بئر عميق عليه قبة صغيرة، فالقينا فيه حجرا لنعرف ان كان فيه ماء او لا . فلم نجد فيه ماء . وسرنا مع الوادي ونحن لا نعرف اتجاه مسيله. وقد بدا على صديقي التعب مع العطش وشدة الحر ورياح السموم التي تلفح الوجوه فجلس ليستريح فانتظرته حتى نهض، وسرنا قليلا فعاد وجلس مرة اخرى، فاستنهضته فلم ينهض فسرت امامه قليلا ثم انتظرته حتى لحق بي. وشاهدت على بعد شبحا اسود ظننته بيت شعر فتوجهت نحه. فرأيته يكبر احيانا ويصغر احيانا فلما اقتربت منه واذا هو شجرة صحراوية لا يزيد ارتفاعها على المتر، فعرفت حينها ان ما اشاهده من مآذن وبيوت ما هي الا جانب من جوانب جبل اسود لا مآذن فيه ولا بيوت. جلس صديقي بجانب شجرة صغيرة فتركته وصعدت على تلة من الرمل فدخت وسقطت على الارض. واخذت احبو على يدي ورجلي حتى عدت الى صديقي. وبعد استراحة قصيرة سرت وسار احمد خلفي حتى وافينا شجرات طرفاء يبلغ طول الواحدة مترين فجلس كل واحد منا تحت شجرة ونحن على اسوأ ما نكون، اذ جفت آذاننا فصرنا نسمع نغمة الهواء وكأنها كلاب تنبح وزاغ البصر فلا نرى الاشياء على طبيعتها، وازدادت دقات القلب وكأن نارا مشتعلة في الصدر لا ينطفئ لهيبها ولا يخفف منها ظل ولا ظليل ولا استراحة ولا مسير. فيئسنا من الحياة وكتبنا اسماءنا على ورقة وعلقناها على الشجرة، ووضعنا بعض ثيابنا على الشجرة لتحسين ظلها، وكم تمنيت لو انام واحلم اني شربت ولكن كيف تنام العين وقد جفت من الدموع وكيف يغفو من همه الماء.

    استلقينا على ظهورنا واستقبلنا القبلة وتشهدنا بالله وبأن محمدا رسول الله وتسامحنا وركنا الى الموت، وبقينا على وضعنا حتى وقت العصر فقلت لاحمد ان الازرق قريب منا، وهل يضيرنا الموت سواء كان تحت هذه الشجيرات ام في هذه الارض الواسعة فقال : اتريدنا ان نواصل سيرنا؟ قلت نعم، فرمى حذاءه وكوفيته وعباءته ومشى عاري القدمين مكشوف الرأس واما انا فلبست حذائي وارتديت كوفيتي وفروتي وسرت، بدا احمد انشط مني وبعد فترة جلست فحضني على المسير. وقلت له سر امامي وسأتبعك فابى فقمت وكان امامنا ثلاثة تلال سوداء تسمى في مجموعها (حرة العويند) صعدنا اول تل وثاني تل فلم نشاهد شيئا ولما صعدنا التل الثالث وهو اعلاها شاهدنا واديا واسعا ممتدا الى الشرق. ورأينا اشباحا تمنينا ان تكون بيوتا وحينها بدا على احمد النشاط واعترانا الامل وسرنا قليلا. فشعرت بالتعب فملت الى شجرة صغيرة والقيت بنفسي عليها وقلت لاحمد خذ وعاء الماء وسر فاذا وصلت بالسلامة ووجدت الماء وكتبت لك الحياة فعد الي والا فالوداع. فسار قليلا ثم عاد الى يحضني على السير فابيت وقلت له بالحاح امض ولا تنتظرني وصرخت في وجهه فلما يئس مني انطلق مسرعا ولكني لم البث بعده اكثر من عشرة دقائق الا واحس النار في جوفي فلا الظل ولا الجلوس بمفيد. فقمت وسرت خلفه وهو لا يلتفت وراءه وتراءى لي بناء عال فغلب على ظني انه مخفر للدولة فهممت مسرعا وبعد نصف ساعة تقريبا لحقت بصاحبي فلم يشعر الا وانا جانبه فسرنا معا، ولما اقتربنا من البناء شاهدنا شخصا على ظهره فأخذنا نلوح له، فلم يلتفت الينا ولما صرنا على بعد خمسماية متر وقعنا على الارض فترة قصيرة، ثم نهضنا وتوجهنا الى المغفر ولما وصلنا الشبك المحيط بالمغفر نهر علينا الجندي فأشرنا له الى افواهنا فأدرك اننا عطشى، فجاءنا عسكري آخر فأدخلنا، وادلى دلوه في بئر عند باب المخفر واخذ يسقينا بفنجان في يده حتى شربنا الدلو كله وكأننا لم نشرب فطلبت منه ان يعمل لنا شايا فسرعان ما عمل الشاي واخذ يسقينا بالفنجان نفسه فشربت ستة فناجين بمجرد ان نزل الابريق عن النار وبعد ذلك شعرت بالارتياح وعاد الي سمعي وبصري وقوة ادراكي بعد ان كانت قبل ذلك شبه معطلة.

    بعد ذلك ذهبنا الى القرية وعمدنا مسجدها واذا بالامام يطلب مني ان اصعد سلما من خشب وأذن، فصعدت واذنت وبعد الصلاة اخذنا الامام الى بيته وعشانا واكرمنا، ثم عدنا الى المسجد وبتنا فيه ليلتنا، وفي الصباح عدت الى الشجيرات التي تركنا امتعتنا عندها. ولولا تتبعي لأثر اقدامننا لما اهتدينا لها. للتغير الذي لاحظته في الارض خلافا لما كنت اراه بالامس. فلملمت امتعتنا وحملتها وعدت الى المسجد فاستغرقتني رحلتي هذه من الصباح حتى المساء تقريبا. وبتنا ليلتنا الثانية في المسجد وبعد مجادلات ومناقشات أنعود لأهلنا ام نواصل رحلتنا، فاستقر رأينا على المواصلة فخرجنا من المسجد قبل الفجر واتجهنا نحو العمري ( الذي هو الان مركز حدود الاردن والسعودية) ولم نبتعد عن قرية الازرق اكثر من ثلاث كيلومترات، الا والارض مغطاة بالربيع والمياه موجودة في القيعان وبيوت الشعر متناثرة في الاودية وحولها رعايا الغنم ترعى في السهول فعرجنا على احد البيوت وسلمنا على اهله وافطرنا عندهم تمرا، ثم قمنا وواصلنا رحلتنا وعند العصر نزلنا عند غدير ماء سبحنا فيه وغسلنا ثيابنا واتفقنا على ان ننام حول الغدير اذ لم يكن حوله احد من البدو. وكان على مقربة منا تل. فصعدته فرأيت بيت شعر صغير وحيد فقمنا وتوجهنا اليه لعلنا نحرز مناما فيه. فلما اقبلنا عليه واذا بصاحبه يرحب بنا بحرارة فسلمنا وجلسنا نتسامر طويلا حتى غلبنا النعاس فنمنا. وعند الفجر نهضنا وواصلنا رحلتنا وكلما مررنا ببعض البيوت نعرج عليهم فيقدمون لنا تمرا ولبنا، وعند الظهر وصلنا واديا فيه بئر حوله نخلة، فقيل لنا هذا هو العمري، فنزلنا عند اهل بيت واذا بصاحبه يعرف صديقي احمد فقدم لنا طعاما من اللبن والزبد وخبز الشراك. وبعد ذلك ودعنا صاحب البيت وواصلنا السير وقبيل مغيب الشمس يممنا شطر بيت عنده سيارة صغيرة ورجال كثر وقبل ان نصل البيت انفض الرجال وذهبت السيارة، ولما اقتربنا من البيت واذا بصاحبه يرحب بنا عن بعد وقد عرفني ويسمى سلمان ابو جسار، فقدم لنا عشاء ونمنا عنده. وسألنا الى اين؟ فقلنا الى السعودية وسألناه عن الطريق فقال لا اعرف شيئا سوى هذا المكان الذي انا فيه فغادرنا، متوجهين نحو الشرق اذ لم يكن هناك طريق نسير عليها، وعند وقت الضحى مررنا بخربوش بحجم الخيمة وحوله ابل كثيرة فعرجنا عليه ولم يكن فيه الا رجل واحد فسلمنا عليه وجلسنا عنده، فقدم لنا تمرا وزبدة ولا ندري ان كان الرجل شراريا او من عنزة فسألنا عن الطريق الى السعودية فقال: أأصفها لكم وصف البدو ام وصف اهل ديرتكم؟ فقلنا صفها وصف اهل ديرتنا ما دمت تعرف عادتنا، فقال تسيران في هذا الاتجاه فتمشيان وتمشيان وتمشيان حتى وقت الظهر فتصلان الى حزم( سلسلة تلال) تفصل بين الاردن والسعودية وتشاهدان في الجهة الشرقية حرة سوداء عالية وبعيدة وقريب منها قرية سعودية تسمى اثرة، وتشاهدان الى الجنوب منها دارا من الطين على رأس تل يفصل بينهما واد عريض يسمى زادي المخروق تصب مياهه في قاع ( منطقة منخفضة تتجمع فيها المياة فتشكل بحيرة صغيرة ) وفي الصيف تجف ويسمونها سبخة ( منطقة موحلة اذا دخلها حيوان ربما يغرق في الطين ويغوص فيه ولا يبين) فهذا البيت الذي تشاهدانه عليه علم وهو اول مغفر من مخافر السعودية . فشكرناه على وصفه الدقيق المفصل وبالفعل وصلنا المكان الذي وصفه لنا وهو الحزم عند الظهر فانبطحنا على الحصباء الناعمة واخذنا ننظر امامنا فرأينا الحرة السوداء ورأينا المغفر فقررنا ان نتوجه نحو المغفر ولو منعونا من الدخول، وفضلنا ذلك على التوجه نحو الحرة خوفا من ان نضيع ونموت عطشا، ثم سرنا مع وادي المخروق واجتزناه مع وقت العصر فوصلنا المخفر، سألنا امير المخفر فقلنا نريد عرب الخريشة الذين دخلوا السعودية طلبا للمرعى فكتب لنا كتابا موجها الى امير الحدود الشمالية الغربية للسعودية، وهو الامير عبد العزيز السديري رحمه الله، ليرى فينا رأيه فاما يسمح لنا بالتوجه الى عرب الخرشان او يردنا ، وما كاد يعطينا الكتاب الا وسيارة آتية من القريات (النبك) مقر الامير عبد العزيز وفيها الشيخ حديثة الخريشا * وولده نايف فلما رآنا سلم علينا بالاحضان، فقال له امير المغفر عبد الله الحواسي رحمه الله اتعرفهما يا شيخ فقال له هذان ولدانا لعلك قصرت في حقهما فاسترجع منا الرسالة وغيرها وكتب لنا بالسماح من المرور، فاما الشيخ حديثة فكان متوجها الى الاردن واما نحن فأركبنا الحواسي في سيارة متوجهة الى القريات . ووصلنا القريات ونزلنا في مضافة السديري. وفي اليوم الثاني قدمت طلب عمل معلم فاستدعاني الامير السديري وسألني بعض الاسئلة ثم بعثني الى مدير مدرسة القريات لاواظب فيها . لكن المدير قال بانه ليس لديه فراغ لاحد فعدت واخبرت الامير . فقال انتظر فبقيت وصديقي مدة شهر ننام ونأكل في المضافة وبعد الشهر عاد صديقي احمد الى الاردن لا يلوي على شيء ووجد اهلنا في هم وحيرة من امرنا، يذهبون الى الفتاحين ( الذي يخطون في الرمل) لعلهم يخبروهم عنا فيزيدونهم قلقا، ولم يهدأ لهم بال حتى رجع احمد واخبرهم بما جرى لنا وأما انا فبعثني الامير معلما الى قرية الحديثة فاتخذت المغفر مدرسة لابناء القرية وبقيت مدة سنة ونصف

    النقاش مع الحواسي


    حصل نقاش بيني وبين امير البلد بشأن ارض البلد، وقلت بان ارض فلسطين خير من ارض الحديثة للزراعة فاحتد الامير وقال: لو فيها خير لاشبعتك ، فقلت لو بقيت لنا لما جئت الى هنا. فقال : لو كنت رجلا لحميتها. فشعرت ان الرجل اراد اهانتي ، فقلت : لقد قاتلنا اليهود بسلاحنا الخردة وكدنا نهزمهم فدخلت الجيوش العربية السبعة بمدافعها ودباباتها ومجنزراتها ورشاشاتها وظننا انها ستنهي اليهود في جولة واحدة واذا بالدول العربية بعثتها لتقوم بحروب مصطنعة تتظاهر بالهزيمة لتسليم البلاد لليهود ، بل ساعدت بعض الجيوش اليهود على طردنا من بلادنا وخرجوا جميعا بالخيانة فقال الامير : ولا كلمة فقلت: لقد وصل الجواب كاملا ولو بقيت كلمة لقلتها . وفي اليوم التالي نزلت الى القريات وقدمت استقالتي للامير عبد العزيز فوافق عليها فلما علم امير القرية وكان حريصا على بقائي لأني كنت اعلم ولده اللغة الانجليزية، قبعث لي المدير المالي يحذرني من اني اذا غادرت القرية لن ادخلها ما دام فيها، فقلت للمدير المالي: الجواب امانة قل لصاحبك بأني اقسم ان لا اعود لتلك البلاد باحثا عن الرزق الا اذا عدت لأداء فريضة الحج. وفي اليوم التالي ركبت في سيارة متوجة الى الأردن ولم امض جواز السفر ولم اودع احدا وعدت الى اهلي في مخيم عين السلطان في مدينة اريحا.

    العودة الى الدراسة


    بعد عودتي اقمت مع اهلي وعلمت حينئذ ان اصحابي الذين كنت واياهم في الصف السادس في قريتنا الاساسية( الدوايمة) هم الآن في الصف الثاني الثانوي في مدرسة عقبة جبر الثانوية فعزمت على العودة لتكميل الدراسة ، فذهبت الى المدرسة وقابلت مديرها وطلبت الدخول في المدرسة فأبى، وبعد أخذ ورد وجدال طويل، طلب مني شهادة الصف الأول الثانوي وشهادة حسن سلوك وبعد رجاء وتوسط وافق على ان اقدم فحصا في مقرر الصف الأول الثانوي ، وطلب من المعلمين ان يضعوا الاسئلة فتقدمت في اليوم التالي للفحص ونجحت بفضل معلوماتي العامة ، ودخلت الصف الثاني الثانوي ، وواصلت بقية الصفوف الاخرى حتى تقدمت لفحص الثانوية العامة( المترك) عام 54/1955م ونجحت، وكان ما مضى من عمري يومذاك ستا وعشرين سنة، فتقدمت لوكالة الغوث بطلب وظيفة معلم، وحصلت الموافقة مع بداية العام الدراسي 55/1956م

    يتبع القسم الثاني المتعلق بحمل الدعوة

  10. #10
    مشترك مميز
    الحالة: ابو شجاع غير متواجد حالياً
    رقم المشتركية: 1961
    تاريخ التسجيل: May 2006
    المشاركات: 1,567
    التقييم: 10
    ابو شجاع is on a distinguished road
    معدل تقييم المستوى
    207

    رد: مذكرات حامل الدعوة

    القسم الثاني من مذكرات يوسف السباتين رحمه الله



    القسم الثاني من حياتي التعليمية والسياسية كحامل دعوة لاستئناف الحياة الاسلامية .

    عينت معلما في مدرسة عين السلطان الاعدادية، وكنت اعلم اللغة العربية والرياضيات ، دعاني احد اصدقائي وابن صفي في المدرسة التي تخرجنا فيها لزيارة معلم اسمه احمد حسين، فأخذ المعلم هذا يتحدث في العقيدة الاسلامية ويبرهن لنا على وجود الخالق فلم اهتم لحديثه لأني كنت ملتزما بما تمليه علي عقيدتي، ولم افهم مراد الاستاذ، غير ان صديقي أعلمني ان المعلم هذا من حزب التحرير ويدعو الى الاسلام، ولم اكن قد سمعت بهذا الحزب، واعطاني كتابا من كتب الحزب اسمه (نظام الاسلام) فصرت اطالع في الكتاب فأعجبني ما فيه، وكان ذلك بعد نجاحنا في الحصول على الشهادة وقبل تعييننا في التعليم وجاءني صديقي هذا يوما وقال لي بأن الاستاذ فاروق عبد العال حضر الي ومعه منشورات لحزب التحرير يريدنا ان نوزعها في المساجد، واعطاني قسما منها فأخذتها وأشرفت على توزيعها في احد مسجدي المخيم، واما صديقي فأعطى حصته لشاب آخر وزعها في المسجد الثاني ، وفي اليوم التالي جاءني صاحبي وقال لي بأن شاويش مخفر المخيم جاء الى بيته يسأل عنه واريد ان اذهب انا واياك واذا سألني عن المنشورات سأقول له اعطانيها الاستاذ فاروق عبد العال لأنه (فاروق) قال لي اذا احد سألك فقل لهم عني، فقلت له وبهذه السهولة ، أليس هو استاذنا؟ فكيف نقول عنه؟ هل وزعت حصتك؟ فقال: وزعها الاخ خليل فقلت اذا بأمكانك ان تقول ما رأيت من وزعها. وعلى كل سأنكر اني اخذت منك نشرات واحذرك من الذهاب للمخفر. فقال سوف لا اذهب. ثم عاد الي في اليوم التالي وقال اريد ان اذهب فخشيت ان ذهب سيقول كل ما حدث، فقلت له اذهب معك بشرط ان لا تتكلم، واترك لي الحديث فوافق. فدخلنا على الشاويش وسلمنا عليه فبادرته بالقول اننا نأسف لعدم تواجدنا في البيت وقت مجيئك ونرجو ان تشرفنا مرة اخرى لعلنا نستأنس بحضورك فقال: انا جئت لأن بعض الناس وزع نشرات في المساجد وانا اعرف انكما مثقفان ولعلكما تعرفان من وزعها. فقلت لعلها النشرة التي تتحدث عن مشروع الاسكان لجونستون فقال نعم فقلت رأيت ولدا صغيرا يوزعها في المسجد الشمالي واعطاني نشرة فقرأتها فاذا هي طبق الاصل مع الموضوع المقرر في منهج المترك الاردني الذي درسناه هذا العام، فقال هو موضوع ليس ذات اهمية فاراد صاحبي ان يتكلم فقاطعته وقلت للشاويش ارجو ان تزورنا فقال انشاء الله ثم اخذت بيد صاحبي وخرجنا وشعرت انه مثل المضبوع فاردت ان انسيه وساوسه فعرضت عليه ان نخرج من اريحا الى منطقة الخليل فقال ما معه الا عشرون قرشا فقلت له معي دينار فوافق فانطلقت به الى مخيم العروب ثم قرية سعير ثم الى منطقة ايدون حيث كروم العنب ثم الى الخليل ثم الى دورا ثم الى دير سامت ثم الى قصتين ثم الى اذنا ثم عدنا الى الخليل فاريحا واستغرقت رحلتنا ستة ايام. ولم اصحبه بعدها.

    كنت اطالع في كتاب نظام الاسلام واجمع بعض الناس واسمعهم ما في الكتاب دون ان اعرف احدا من حزب التحرير ، وكنت ادرس في المدرسة واناقش معلما ينتمي الى الحزب الشيوعي وكثيرا ما كان يفحمني فاعود الى دراسة كتاب نظام الاسلام واعود الى مناقشته وافحامه وبعد فترة جاءني معلم من مخيم النويعمة وجمعني مع اربعة اشخاص واخذ يدرسنا في الكتاب. وصرت انقل ما في الكتاب من افكار الى طلاب الصفوف التي ادرسها واناقش فيها المعلمين وشاع اسمي في المدرسة بين الطلاب والمعلمين وفي المساجد وعلى المقاهي واثناء الدعاية لمرشحي الحزب في الانتخابات النيابية، وعرفت عني سلطات الامن وصرت مراقبا في تحركاتي.

    تعرفت فيما بعد على الشيخ حسن سلطانة وكان يعلم في مدرسة هشام بن عبد الملك في اريحا، وتعرفت كذلك على الاستاذ محمد الرابي وعلى الاخ احمد ياغي وصرنا ندرس في حلقة يشرف عليها الشيخ حسن سلطانة وتحزبت على يده.

    أول ملاحقة من رجال الأمن

    جاءني مجموعة من كتيبات تحتوي على البيان النيابي الذي القاه نائب حزب التحرير الشيخ احمد الداعور رحمه الله في مجلس الامة الاردني. وكان عندي موعد تدريس حلقة في مخيم النويعمة فأخذت الكتيبات وذهبت على الاقدام ولما صرت على الجسر الذي يربط مخيم عين السلطان بمخيم النويعمة لحقني _امن مخيم النويعمة – وفيه شاويش مخفر مخيم النويعمة وحارس المخفر وسائق فقال الحارس للشاويش هذا هو واشار الي فطلب الشاويش من السائق ان يقف فاعتذر السائق لكون الطريق حادة الارتفاع فعدلت عن الطريق واتجهت نحو وسط المخيم ولقيني احد افراد الحلقة فأعطيته الكتيبات فانطلق بها نحو المخيم فنظرت نحو المخفر فرأيت الشرطة والحارس يراقبوني فأرسلوا الحارس ليراقب اي بيت سأذهب اليه، فدخلت المخيم ووصلت البيت وطلبت من اعضاء الحلقة ان يخرجوا بسرعة ويذهبوا الى بيت آخر، فخرجوا وبعد دقائق خرجت ومعي صاحب البيت واذا بالحارس يراقبنا عن بعد، فقلت لصاحب البيت انظر الى الحارس ليصرف عنا وجهه وليشعرنا انه لا يراقبنا وقلت له لا تلحقني بل ادخل بيتك . فنظر الى الحارس فادار الحارس بوجهه فانطلقت بسرعة ودخلت دخلة توصلني الى البيت الآخر وهناك درست الشباب فلما انتهى الوقت خرج احد الشباب واسمه عبد الرحمن ليستطلع الخبر فعاد مسرعا وهو يقول : الشرطة طوقت البيت الاول واعتقلت مجموعة من الطلاب والاستاذ الدريدي، والاستاذ عوني عطية وابراهيم صاحب البيت واستغربنا الخبر حيث لم يكن احد في البيت، فمن اين جاء هؤلاء؟ فخرجت وسلكت طريقا خفية وعدت الى بيتي في مخيم عين السلطان، وغيرت بدلتي الحمراء ولبست غيرها، وعدت في نفس الليلة الى بيت ابراهيم في النويعمة لأستطلع الخبر من مدير مدرسة مخيم النويعمة والذي كان يسكن في نفس البيت. فأخبر ان الاستاذ والطلاب كانوا يتمشون على الطريق فجاءوا لزيارة ابراهيم بعد خروجك من البيت وذهابك للحلقة، فذهب الحارس واخبر الشرطة بانك في البيت لانه لم يرك حينما خدعته وذهبت، وبمجرد ان دخل ابو هاني (شاويش المخفر) سأل عنك فقال اين صاحب البدلة الحمراء فقال له ابراهيم خرج من هذا الثقب استهزاء به، فلما لم يجدك اخذ الموجودين لمركز اريحا.
    النقل الى مدرسة العوجا.


    بعد عام في مدرسة عين السلطان نقلت الى مدرسة العوجا. وكان مديرها يتعاون مع الامن ويحاول ان يبعدني عن الصفوف العليا في المدرسة، فحصل بيني وبينه خلاف شديد بعد استدعائي من قبل القائمقام يحذرني من الاختلاط بطلاب مدارس عين السلطان ويطلب مني عدم الوقوف على الطريق. وبعد شهرين من الدوام نقلت الى مدرسة الكرامة الاعدادية وبعد شهرين من الدوام نقلت الى مدرسة النويعمة داومت فيها فترة ما بعد الظهر وشرحت للطلاب درس تاريخ وقلت لهم لعلي لا ادرسكم ثانية، وفي اليوم التالي درست الفترة الصباحية وجاءني نقل الى المدرسة الابتدائية في الكرامة، ذهبت الى مدير التعليم عيسى عطاالله ووجدت عنده التعقيب فارس طلاعة واغلظت في الكلام لمدير التعليم وقلت له أهذا الذي يأمرك بنقلي هنا وهناك؟ وصدر بحقي وبحق احمد ياغي قرار من حسن الكاتب محافظ القدس باثبات الوجود لمدة سنة. ولما نقلت الى الكرامة في المرة الاخيرة ذهبت مع المدير وبقية المعلمين الى مقهى المخيم واذا بجميع معلمي مدارس الكرامة في نفس المقهى، وكان في المقهى قائد الاغوار ابراهيم المبيضين، وبمجرد ان جلست واذا به يوجه سؤالا ويقول: أأنت الذي تريد ان تقيم دولة اسلامية؟ فقلت له او تكره ان تقوم دولة اسلامية؟ فقال: لا فقلت له ايضا وهل لرجل واحد ان يقيم دولة ؟ فقال لا ولكن بتعاون الاخرين فقلت له اذا انت معي قال ولكن ليس عن طريق الحلقات والنشرات وانما بفتح مدارس وتعليم الناس فقلت له وهل قصرت الدولة في فتح المدارس فقال لا فنادى القهوجي وطلب لي فنجان قهوة فاعتذرت ، واذا به يسحب الطاولة ويجلس ومعه ثلاثة منهم مدير مدرستي ليلعبوا الورق، ولما طلبوا من القهوجي ان ينزل لهم طلبات، قال قائد الاغوار نزل طلب للاستاذ يوسف، فقلت له كنت للطلب الاول شاكرا اما للطلب الثاني فآسف لانه حرام، فصار المعلمون يعضون لي على اصابعهم وكأن على رؤوسهم الطير. فقال القائد نصحتك وان وقعت بدبرك فقلت ما ينزل السماء تتلقاه الارض.

    الاعتقال والسجن في سجن مدينة السلط

    عندما انتقلت الى الكرامة بدأت نشاطي داخل مخيم الكرامة وتمكنت من اقناع كل من الاستاذ عبد الرحيم لافي والاستاذ محمد غيث. والتاجر محمد حسنين ( كان شرطيا ايام الانتداب البريطاني في فلسطين) وذهبنا جميعا الى بيت الاستاذ محمد الرابي ليدرسنا في حلقة. ولسوء الحظ رآنا فراش مدرسة وكان يعمل مخبرا لمخفر الكرامة فوشى بنا لقائد الاغوار ابراهيم المبيضين، فجاء هذا بدوره ومعه سيارة شرطة فطوقوا البيت واودعونا سجن السلط انتظارا لمحاكمتنا امام المحكمة العسكرية العرفية . بتنا ليلة او ليلتين في النظارة وكانت درجة الحرارة في تلك الليلة صفرا فكانت اصعب ليلة قضيناها في حياتنا ولم يكن معنا شيء نفرشه لنجلس عليه او نلبسه او نتغطى به، فجلست متربعا على ارض الغرفة المصبوبة بالاسمنت ونام الاستاذ عبد الرحيم مستلقيا على ظهره ورأسه على فخذي الايمن والاستاذ الرابي كذلك رأسه على فخذي الايسر فاحسست بانجماد الجزء الاسفل من جسمي وطلبنا من الشرطة بعض الباطاطين ولكن بدون جدوى ، ثم اخذتنا الشرطة في اليوم التالي لمحافظ السلط فتلطف بادخالنا السجن وادخلونا في غرفة ليس فيها الا طنجرة وكردل كما يسميه المساجين فنظرت في الطنجرة المملوءة بالماء للشرب فاذا سطح الماء مغطى بالقمل واما الكردل فمعد لبول المساجين . واعطونا ثمانية بطاطين او ثماني بطانيات، ولكننا لم ننم تلك الليلة الا القليل فاحتلمت في الليل ولما اخرجونا الساعة الثامنة صباحا من الغرف لنذهب الى الحمامات نقضي حاجتنا دخلت حماما وخلعت لاتحمم وازيل الحدث، واذا ببعض الحنفيات قد جمد فيه الماء ولا تنزل الا القليل من الماء، فوضعت الابريق تحتها طويلا حتى امتلأ وتوضأت منها ثم رششت جسمي بالماء فصرت اقفز واقفز من شدة برودة الماء ونزل الدم من رأسي ثم لبست ثيابي وخرجت وفي اليوم الثاني توسط لنا احد المساجين واسمه عبد العزيز عربيات فنقلونا لغرفة مفروشة وليس فيها الا سجين نصراني من الفحيص فقضينا فيها سبعة وثلاثين يوما ثم عرضنا على المحكمة العرفية العسكرية في العبدلي والقى المدعي العام مقالة مدعيا اننا قمنا باجتماع غير مشروع وضبط معنا كتب لحزب التحرير المحظور، وتقدم الرئيس ابراهيم المبيضين فأدلى بشهادته قائلا: جاء يوسف السباتين من منطقة اريحا الى منطقة الاغوار لاحدى مدارس الكرامة، وارسل الينا تقريرا يطلب منا مراقتبه وبمجرد ان وصل الى الكرامة اخذ يعبث في المخيم فسادا واستطاع ان يقنع هؤلاء بفكرته. وعند اجتماعهم اول اجتماع غير مشروع كنا له بالمرصاد فاعتقلناهم وها هم بين اديكم. وسأل رئيس المحكمة ان كان احد منكم يريد ان يعترض على شهادة الشاهد فقلت انا ، فأذن لي فقمت وسألت الرئيس المبيضين : هل الذي يقوم باجتماع غير مشروع يكون متوجسا او مطمئنا؟ فقال: يكون متوجسا. قلت: حينما جئتم بسيارة سمعنا صوت موتورها وحركة عجلاتها ووقع خطاكم ببساطيركم فلم نحرك ساكنا، ولو كنا في اجتماع غير مشروع لهربنا بمجرد سماعنا لخطاكم. بل كنا جالسين مطمئنين . ولما قرعت انت الباب انتظرت طويلا حتى فتحنا لك الباب. ولما دخلت الغرفة التي كنا جالسين فيها دخل صاحب البيت من باب الغرفة الاخر يحمل صينية القهوى وعرضها علينا قلت انا له اعط البيك فرفضت انت وعرضت عليك ان تجلس فابيت فقلت لك اذا ماذا تريد فاخذت تفتش في الكتب الموجودة على الطاولة فوجدت هذا الكتيب بين تلك الكتب ولكم يكن بأيدينا . واما ادعاؤك باننا كنا ندرس فيه فاني اسألك كيف عرفت اننا كنا ندرس فيه؟ قال كنت اسمع من الشارع قلت: أكنت بعيدا عن الشباك ام كنت خلفه مباشرة قال كنت خلفه مباشرة قلت الشباك من خشب وليس من زجاج اليس كذلك؟ قال نعم، قلت اكان الشباك مغلقا ام مفتوحا؟ قال بل كان مغلقا قلت: اذا لم تر بعينيك بل سمعت باذنيك. قال نعم قلت كنا نسأل الاستاذ الرابي عن درس الدين الذي شرحه للطلاب فاعاده لنا، هذا الذي كنت تسمع فقال رئيس المحكمة اذا لم يكن اجتماعهم غير مشروع . فقال المبيضين: لا ادري.

    تقدم المدعي العام وسأل محمد حسنين: انت تاجر ما الذي جمعك مع هؤلاء المدرسين ، قال جئت لوالد الاستاذ الرابي زيارة وكنا نتحدث عن ايامنا الخوالي في البلاد فجاء هؤلاء واخذوا يتحدثون عما يواجهونه من الطلاب فقال المدعي العام ماذا تبيع؟ قال ابيع فجل وخبيزة . فقال اتقرأ قال لم يعلمني والدي الكتابة فناوله قلما وقال وقع هنا على ورقة ، فسرعان ما وضع حسنين ابهام يده على لسانه واخذ يعده للبصمة فاخذ المدعي القلم منه ووضع اصبعه على البصامة وقال ابصم هنا فشقلب حسنين ابهامه فقال المدعي لم توقع على معاملة قال كنت راعيا ولا اعرف توقيعا. فبرأتنا المحكمة ما عدا محمد الرابي فحكمته بعشرة دنانير لحيازته كتابا ممنوعا ؟ثم افرج عنا وعدنا الى اعمالنا ؟

    فرض الاقامة الجبرية عام 1958م

    في العطلة الصيفية لذلك العام كنت اصيف في الخليل التقيت ذات يوم بالاستاذ ياغي في القدس وهو احد الشباب النشطين في مخيم عقبة جبر فاخبرني اني واياه حكمنا محافظ القدس حسن الكاتب بالاقامة الجبرية لمدة سنة غيابيا، وقال لا تذهب لأريحا حتى تنتهي العطلة وكان في طريقه الى مصر، وعندما انتهت العطلة ذهبت الى الكرامة وصرت اثبت وجودي في المخفر كل يوم – قدمت نقل من الكرامة فتقرر نقلي الى عمان فذهبت الى القدس وطلبت رفع الاقامة الجبرية فرفعت وعينت في مدرسة ابتدائية في المحطة وبعد اسبوع نقلت الى مدرسة وكالة الغوث في السلط .

    دعاني مدير المدرسة الاستاذ هاشم هديب لطعام الغداء في بيت الاستاذ قسطندي وهو نصراني بعثي ومعه استاذ آخر نصراني بعثي وهم اصحاب هاشم وهم معه اعضاء في حزب البعث، وكان هاشم يعرف انني عضو في حزب التحرير فارادوا في جلسة الغداء ان يعزلوني عن اهل السلط فوصفوا اهل السلط انهم جهلة وذو عقول خشنة ولا صحبة لهم ويشبهون اهل مدينة الخليل والأفضل للانسان ان لا يخالطهم ولا يتقرب منهم، مع ان المضيف لي الاستاذ قسطندي سلطي، فعرفت مغزى حديثهم وحكمت عليهم بانهم سخفاء وخاصة هاشم الذي يعرفني جيدا. خرجت من عندهم وسألت رجلا عن بيت المرحوم الاستاذ احمد عربيات فدلني عليه وما ان قرعت جرس البيت وخرج بنفسه الي وعرفت بنفسي وكان يدرس في حلقة فقال لي استلم الحلقة وواصل تدريسها.

    وبعد اسبوع دعيت من قبل الاخ التحريري محمد شعبان العطيات لمناسبة . تناولنا عنده طعام وفي اليوم الثاني كنا نتذاكر في المدرسة موضوع الولائم في المناسبات فذكرت للبعثيين باني دعيت لمناسبة قدم فيها الطعام في مناسف فسألوني عند من وفي اي بلد، فقلت لهم في السلط فقالوا تدعى لتناول الطعام في منسف ولم يمض على وجودك في السلط الا اسبوع ولنا ثلاث سنوات ما دعينا لأي مناسبة، فقلت لهم لمفاهيمكم المغلوطة عن اهل السلط، ولانعزالكم وانطوائكم على انفسكم، فاهل السلط نعم مثلهم مثل الخليل في الشهامة والكرم وطيب المعشر.

    لم يمض علي فصل دراسي الا وهم يتآمرون على يريدون ضربي، فيخرج هاشم الصديق القديم قبل نهاية الدوام حتى لا يتهم بالتآمر، وكانت عندي آخر حصة فلما خرجت وذهبت الى غرفة المعلمين، واذا بالمعلمين النصرانيين البعثيين في الغرفة ينتظراني، وبمجرد ان دخلت اغلق احدهم باب الغرفة ووجه لي السؤال التالي: قال تقولون ان المسيحيين كفار وليس عندكم دليل من القرآن فقلت له اسمع هذه الايات من القرآن التي تصمكم بالكفر فقرأت قول الله تعالى لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة) وقوله ( لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم) وكان بجانبي على الطاولة فرجار اللوح الذي يزيد طوله عن نصف متر، فأمسكت به واخذت مسطرة اللوح التي يبلغ طولها المتر ثم قلت له افتح الباب الذي اغلقته والا والله لا تجد مفرا الا ان تلقي بنفسك من على البلكون الى الشارع فتتحطم ، تحسبني الاستاذ المسكين الذي فتشتموه عند خروجه متهمينه بسرقة الجرابين التي تطلبونها من بعض المؤسسات للطلاب وتبيعونها يا لصوص، فقال المعلم الاخر افتح الباب لا حاجة لمثل هذا. ففتح الباب وخرجت ولما عدت الى البيت هجوت البعثيين بقصيدة رقم-9- (حقيقة البعث) وحصلت مشاكل كثيرة معهم ومع اهالي الطلاب اتهموهم بالخيانة، وعلى اثرها جاء عيسى عطا الله وتفقد محتويات المدرسة وعلى اثرها قدم تقريرا بفصل الاستاذ هاشم، ولكن الوساطة ابقته معلما لا مديرا.

معلومات الموضوع

المشتركين الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من المشتركين و 1 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. فضل حامل الدعوة
    بواسطة أفنان العزة في المنتدى الصوتُ الإسلامي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-07-2008, 10:47 PM
  2. حامل البريد ليس ملوت
    بواسطة عبد الله بوراي في المنتدى ملاحظات واقتراحات
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 08-09-2006, 07:03 AM
  3. أول مرة في الكويت رجل حامل !!!!!!!!
    بواسطة islam في المنتدى الصوت الحر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-03-2004, 10:59 AM
  4. حامل بقطة !! :) :)
    بواسطة no saowt في المنتدى الصوت الحر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-06-2003, 07:50 AM
  5. فضل حامل الدعوة
    بواسطة بشرى في المنتدى صوتُ الشباب والمجتمع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-13-2003, 10:47 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
 

Powered by vBulletin -- Copyright © 2010 vBulletin Solutions, Inc.